عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

738

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

لقد كانت بهم الفجير موضع العجّ والثّجّ « 1 » لا يشبهها إلّا منى في أيّام الحج ، فالشّفار من الذّبائح تسيل ، والطّهاة من المطابخ لا تميل . يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم * لا يسألون عن السّواد المقبل « 2 » لا تخبو مصابيحهم طول اللّيل ، ثمّ بين ديارهم رباط الخيل ، أخبرني محفوظ هو يديّ بأنّه رأى ليلة الشّعبانيّة فيهم ثمانية عشر عنانا من جياد الصّافنات كلّهم بيض كرام ، لا يسودّ بينهم إلّا المطابخ والبرام « 3 » ، ولا يعابون إلّا بمثل قول أبي هفّان [ من المنسرح ] : عيب بني مخلد سماحتهم * وأنّهم يتلفون ما ملكوا « 4 » فلقد أطلق الجود ما بأيديهم ، حتّى صوّح ناديهم ، وأسرفوا في المكارم ، حتّى أثقلتهم المغارم . كانت لهم همم فرّقن بينهم * إذا القعايد عن أمثالها قعدوا « 5 » فعل الجميل وتفريج الجليل وإع * طاء الجزيل الّذي لم يعطه أحد

--> ( 1 ) العجّ : رفع الأصوات . الثّجّ : سيلان دماء الذّبائح . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو لسيّدنا حسّان بن ثابت رضي اللّه عنه في « ديوانه » ( 362 ) . يغشون : يزارون ولا تخلو منازلهم من الأضياف . والمعنى : هم قوم كرام ، دائم الدّوم عندهم ضيوف ، فألفت كلابهم منظر الضّيفان وما عادت تنبح على أحد . ( 3 ) البرام : القدور ، جمع : ( برمة ) . ( 4 ) ما أجمل العيوب إذا كانت هكذا ، وهذا ما يسمّيه علماء البلاغة ب ( المدح بما يشبه الذّمّ ) ؛ كقول الشاعر : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب فأنت عندما تسمع ( ولا عيب فيهم غير أنّ ) تظنّ أنّه سيذكر بعد هذا صفة من الصّفات المعيبة ، ولكنّك تفاجأ بقوله : ( إنّ سيوفهم قد تكسّرت والتوت من كثرة قتالهم الأعداء ) . وهذه صفة مدح ، فتعلم أنّه لم يذكر صفة مشينة بل ذكر صفة مدح بأسلوب عربيّ جميل وهو : أسلوب المدح بما يشبه الذّمّ . ( 5 ) البيتان من البسيط .